السبت، يناير 28، 2012

طيور مهاجرة بحيرة الحولة

 

البحيرة التي كانت في فلسطين وعاش في مياهها 16 نوعا من الاسماك وجذبت طبيعتها عشرات الانواع من الحيوانات وجمعت طيورا من ثلاث قارات، وكانت الموطن الاقصى شمالا لنبتة البردى الافريقية، وعلى ضفافها تناثرت أكثر من عشرين قرية عربية؟ ربما يحتاج المرء الى الكثير من التفكير للتعرف الى ان مقصد السؤال هو بحيرة الحولة المنقرضة، في شمال فلسطين، ولكنه بالتأكيد ليس بحاجة الى أكثر من برهة للاجابة الفورية لو قلنا “مستنقعات” كانت مرتعا للبعوض والحشرات التي زرعت الملاريا والموت لدى السكان.

ان الاعتقاد الرائج لدى اوساط كثيرة من العرب والفلسطينيين بأن الحولة هي مستنقعات لا بحيرة 

حية، يدل على جهل لمعالم فلسطين احيانا وعلى أن الحركة الصهيونية نجحت في غزوها لعقولنا وتثبيت صورة سلبية في اذهاننا عن الحولة التي لا نعرف سواها وذلك عبر اعتماد اسلوب المبالغة في عرض صورة مشوهة والأدعاء بأن البحيرة كانت مجرد مستنقعات مياهها عكرة ومضارها كثيرة.

بالطبع لا يشار في “المصادر الاسرائيلية” هذه الى السكان الأصليين الذين عاشوا بقربها إلا كقبائل بدوية بدائية، وفي أغلب الاحيان يتم ذلك في سياق الحديث عن ارتفاع نسبة ضحايا الملاريا لديهم... مثلما لا يشار الى قيام الصهيونية بتغيير معالم فلسطين بعد احتلالها عام 1948.

لا يخفى ان خلف مثل هذه الصور هناك اغراض سياسية تضليلية، فحينما شرعت مؤسسة “الكيرن كييمت” (الصندوق القومي اليهودي) في تجنيد التبرعات المحلية والعالمية خلال سنوات الخمسينات لم يجر الحديث عن تجفيف “بحيرة” انما عن “مستنقعات فقط. ولا شك ان لكلمة” مستنقعات “مدلولا سلبيا يوحي بمياه آسنة تبعث الرائحة الكريهة.. وتسبب الامراض. لم يكن الاعلام الصهيوني، المحلي والعالمي يرمي الى استنهاض همم المتبرعين وتحريضهم على “المستنقعات الشريرة” لاستدرار دعمهم المالي فحسب، انما كان ذلك جزءا من التوجه الصهيوني العام والتقليدي الذي اعتمد مقولة “ارض بلا شعب لشعب بلا ارض”، وبأن الاستيطان اليهودي حول فلسطين من مستنقعات وقفار الى جنائن وبساتين ومستعمرات “اضطر” الظلام الدامس الى اخلاء مكانه للنور والحضارة.. كما هو الحال بالنسبة لرسالة “الرجل الأبيض” المستعمر الأوروبي في القارة السوداء في نهاية القرن التاسع عشر. واليوم يبدو ان الصهيونية التي استطاعت شطف دماغ الانسان فشلت في معركتها مع الطبيعة في سهل الحولة التي تشارف على استعادة اجزاء كبيرة من ملامحها ومعالمها التي قلبت رأسا على عقب بعد مشروع تجفيف قبل نحو 50 عاما، في اعقاب ترحيل اهالي 25 قرية كانت تقوم على اراضي الحولة.

اعادة احياء البحيرة

بعد مداولات ومشاورات بين ممثلين عن “الكيرن كييمت” (“صندوق الاراضي القومي اليهودي”) وسلطة حماية الطبيعة و”دائرة اراضي اسرائيل” وبعض الكيبوتسات (المستعمرات التعاونية) التي استولت على اراضي سهل الحولة في اعقاب النكبة تم في صيف 1993 تنفيذ مشروع اعادة تكوين بحيرة الحولة على مساحة ستة آلاف دونم كمرحلة اولى، واليوم بعد مرور عشر سنوات على بدء المشروع تبلغ المساحة المغمورة بالمياه من جديد 15000 دونم كما اكد المسؤول المشرف عليه جيورا شاحم في حديث للتلفاز الرسمي مؤخرا.

وعن الدافع لهذا المشروع قال شاحم: “قمنا بإعادة المياه الى المساحات التي تبين اليوم انها لم تعد صالحة للزراعة بسبب تربة “الكابول” التي تشتعل في الصيف وتزيد من تلويث بحيرة طبريا، كما نطمح الى تحويل الموقع الى مركز سياحة بحرية لجذب السياح كمصدر رزق مهم للمستعمرات في سهل الحولة. اما المياه المطلوبة لاعادة البحيرة وفق البرنامج فتم احضارها من مياه نهر الأردن من الجهة الغربية للسهل”. وحول تبخر المزاعم الصهيونية التقليدية التاريخية والمتعلقة بتحويل القفار الى جنائن قال شاحم: “لا علاقة لي بالماضي اذ تبدأ وتنتهي صلاحيتي في اعادة البحيرة”.

وكغيرها من بقاع فلسطين كانت بحيرة الحولة (بحيرة في شمال فلسطين) تمتاز بأصالة معالمها الطبيعية حيث كانت تمتد هذه على مساحة 100 الف دونم من المياه تتغذى من نهر الاردن ومياه الأمطار وجداول هضبة الجولان، وقد تمتعت بثروات كبيرة من الكائنات الحية المتعددة منها النادرة بمقاييس عالمية جعلتها حديقة حيوانات مفتوحة (ومن دون رسوم دخول باهظة).

وعلى ضفاف تلك البحيرة الوادعة تناثرت قرى وعزب كثيرة للسكان الفلسطينيين الذين اعتاشوا على زراعة الارز والقطن وصيد الأسماك وصناعة القش والحصر وتربية الجواميس وقد هجر معظم هؤلاء الى سوريا ولبنان فيما بقي نزر يسير منهم مهجرين في وطنهم يعيشون داخل بعض القرى التي سلمت من الهدم مثل شفاعمرو ووادي الحمام وشعب وغيرها من قرى الجليل. ولم يتبق أثر للسكان في الحولة سوى صورة مجسمة لفلاح وزوجته وابنته داخل متحف في “محمية الحولة” دونما توضيح او اشارة الى ماضيهم بعكس صورة الحيوانات والطيور التي عاشت في الحولة وحظيت بشروحات

وتوضيحات وافرة لفتت انتباهنا فور زيارتنا للمتحف.

الحاج عبد الله موسى خضراوي، (ابو علي)، بقي في وطنه ولم يهجر الى خارج وطنه خلافا لاشقائه الذين عصف بهم زلزال النكبة عام 1948 الى مهاوي اللجوء في لبنان لكن العصابات الصهيونية سرعان ما اقتلعته من موطنه في قرية “العباسية” في الحولة سوية مع بضع العائلات في العام 1949.

في البداية هجر وأسرته الى منطقة محاذية لمدينة صفد وبعد بضعة شهور اضطرهم الاحتلال الى النزوح لقرية وادي الحمام المجاورة لمدينة طبريا. في بيته هناك استهل ابو علي الحديث معنا بالقول: “والله لو تسمح لي العودة الى العباسية لحملت ما خف وسارعت هذه الساعة الى ارضي انا واولادي لتقبيل الارض ومعانقة بساتين القمح والشعير والارز والذرة التي ربينا واياها. والله لكنت ارضى ان انام على الارض وتحت الشمس ولما بقيت لاجئا هنا. اكثر من خمسين عاما مرت وايام العباسية ما زالت على بالي ومشاهد الحقول الخضراء والبحيرة المليئة بأشهى انواع السمك لا تبرح ذهني وصدقني يا جدي كنا ببساطة معيشتنا وهداة بالنا وحبنا لبعضنا البعض نعيش عيشة الملوك واليوم لم تدس رجلاي بلدي منذ ان هجرنا حفاظا على اعصابي وصوابي”.

وتساءل ابو على وشرارات الغضب تتطاير من عينيه: انا اكبر من “اسرائيل” ب 35 عاما بل ان بعض اولادي قد ولدوا قبلها بسنوات، فبأي حق احرم من رؤية اخوتي احمد ومحمد وعيسى منذ ان تم ابعادهم الى لبنان عام 1948 وبأي شرع تصادر ارضي واحرم من ارض ابي واجدادي.. ثم يأتون اليوم بكل وقاحة ويتحدثون عن السلام. . ولا افهم عن اي سلام يتحدثون اليوم.. انا لست دكتورا ولا سياسيا لكنني صاحب حق، ولذلك اقول لهم: “لن تنفعهم اتفاقات اوسلو وطابا او جنيف اذا لم تعد الحقوق الى اصحابها والطيور الى اعشاشها واللاجئون الى اوطانهم”. 

مسوا بموسم الهجرة الى الشمال ايضا

حول فشل المشروع الصهيوني المتعلق بتجفيف المستنقعات قال لنا الجغرافي الفلسطيني الدكتور شكري عراف، المحاضرفي جامعة حيفا: “لقد قرأنا في “المصادر الاسرائيلية”، الجغرافية والسياحية، ان المشروع الذي كلف الدولة العبرية 22 مليون دولار استهدف تحقيق اربعة اهداف اساسية: استصلاح أراضٍ زراعية وبيع تربة الكابول الكامن في قاع البحيرة، التخلص من البعوض والملاريا، وتوفير كميات من المياه تبخرت من مياه الحولة فهل تحققت هذه الاهداف؟

بالنسبه لتربة “الكابول” لم تجد من يشتريها فبعد تعرضها للشمس اشتعلت المادة العضوية فيها وأدت الى الحرائق ولم تعد هذه التربة صالحة للزراعة او لاستخدامات تجارية اخرى، وعملية التصحر هذه تأتي على اراضي سهل الحولة عاما بعد عام. كما ان كميات كبيرة من مياه الحولة قد ضاعت في باطن الارض وبالتالي هناك عشرات آلاف الدونمات التي لم تعد لابحيرة ولا ارض زراعية”!

في المقابل نجح مشروع التجفيف في القضاء على البعوض ولكنه قضى على انواع كثيرة من الاسماك والطيور التي جاءت الى البحيرة لبناء اعشاشها ووكناتها او قضاء استراحة فيها خلال موسم الهجرة من والى الشمال.. اما طيور البجع والغطاس التي اعتاشت على صيد الاسماك فقد وجدت ضالتها ببرك السمك الزراعية عوضا عن البحيرة الزائلة مما الحق الخسائر بالمزارعين.. وهكذا فإن نتائج سلبية كثيرة نجمت عن مشروع التجفيف، ولم يتوقعها احد في السابق. ولا مفر اذن من الاستنتاج ان منفذي المشروع لم يستلهموا الفكرة من اعتبارات حسابية علمية بقدر ما هي اعتبارات ايديولوجية ترتبط بالمزاعم الصهيونية التاريخية حول احقية الملكية لهذه البلاد. وهذه لم تكن المرة الاولى او الأخيرة التي تتعرض فيها فلسطين الى تغيير معالمها الطبيعية لأهداف سياسية، لكن الانسان لا يتغلب على الطبيعة دائما كما يبدو..

هناك تعليق واحد: